الرئيسية / أخبار عاجلة / كورونا يكشف المستور

كورونا يكشف المستور

بقلم داليا لبابيدي

كورونا تكشف المستور

العالم كله يتعامل مع كائن غيرمرئي لا لون له ولا شكل، جرثومة نعجز عن رؤيتها بأم العين انما فقط تحت عدسة المجهر عزلت العالم عن بعضه البعض وقطعت الأوصال بين الدول وتسببت باقفال الحدود بكل أشكالها برية كانت أوبحرية وحتى جوية. لقد علقت حركة الملاحة في المطارات سواء كانت كبيرة أوصغيرة أو سواء كانت لدولة عظمى أو دولة صغرى حيث اصطفت الطائرات الواحدة تلوالأخرى كل في أسطوله كالطائرالحزين على أمل العودة الى السماء في القريب العاجل. الكورونا أوقفت عقارب الحياة البشرية عالميا وبكلّ أشكالها الأنسانية، السياسية والتجارية حتى إشعار آخر. وكأنما ما نعيشه اليوم هو أحداث فيلم هوليوودي حيث أصبحنا ننتظر سماع صوت مخرج الحدث يقول: “خلصنا تصوير ويعطيكم العافية”. وياليت ما نعيشه اليوم هي أحداث فيلم هوليوودي لكانت النهاية موضوعة ضمن جدول زمني محدد ولكن ما نعيشه اليوم هوعبارة عن غضب عسى أن لايكون طويل الأمد من كوكب الارض على مستغليها! نعم، البشرأفسدوا في استغلال كوكب الأرض حتى انتفضت وقالت: “Give me a break”. شوارع، مطارات، دورعبادة، مقاهي، ملاهي، أماكن سياحية أثرية ومزارات دينية أصبحت خاوية على عروشها. أسواق المال والتجارة العالمية تتهاوى وكأنها بمنافسة من يتهاوى أسرع، وأسعار الأسهم أضحت قيمتها في الحضيض، أما عن أسعار الذهب الأسود والأصفر فحدث بلا حرج. كل ما كنا نلهث ورائه ونسعى للحصول عليه أصبح بلا قيمة لكون واقع الحال جعل منا سجناء في منازلنا نقبع وحيدين معزولون عن بعضنا البعض خوفاً من فرضية انتقال الفيروس فمع كل ما نملكه اليوم فنحن لا نملك شيء سوى النفس والروح التي أصبحت أغلى من كل شئ وان نردد في مجالسنا الخالية صلواتنا لعلها تكون لنا المنجية. فالكورونا لم تفرق بين فقير أو غني أو بين صاحب شأن أو رجل عادي أو حتى بين دول عظمى و دول العالم الثالث هذا الفيروس لا دين له ولا عرق لم ولن يستثني أحد، انه كموج البحر يصيب كل من يعترض طريقه. اليوم يمكننا القول بملء الفم أن نظام العولمة الذي نتغنى فيه انقلب علينا وصدق من قال انها سيف ذو حدين وما نعيشه اليوم هو الحد القاتل منها. أنّ السرعة التي شهدنها مؤخرا في تناقل الاخبار والأحداث من دولة الى أخرى ومن شخص الى آخر بالصوت والصورة سببت موجة من المعرفة الزائدة عند الجميع فهذا التطورالتكنولوجي الذي أصبح مخيفاً نوعاً ما والذي تبلورت أوجهه من خلال وسائل التواصل الاجتماعي لم يكن متوفرا عند انتشار الأوبئة السابقة وهذا كان سبباً بعدم معرفتنا عن الكثيرمن التفاصيل عن الأوبئة التي اجتاحت العالم في العقدين السابقين، فكثر المعرفة التي نغرق فيها اليوم هي من دون أدنى شك أصبحت مصدر خوف وهلع عند السواد الأعظم من الناس. فما نعيشه اليوم يبرز هشاشة المنظومة العالمية الصحية وفشلها بالرغم من كل التطور والحداثة الذي تدعي الدول العظمى امتلاكها. فالكورونا عرّت الكثير من الأنظمة وكشفتهم على حقيقتهم فكل الأنظمة وبكل بساطة غير قادرة على استيعاب أي طاريء من أي نوع كان ونقطة على السطر. فقبل جائحة الكورونا كنا جميعاً مجموعة من “المنظرين” نفترض الأسواء ونتكلم عنه ولكن فقط لمجرد الكلام من دون وضع خطط ملحوظة لأي طاريء قد يصيب الشخص على المستوى الفردي أو على مستوى المجموعة ككل، سواء هذا الطارئ كان صحي، سياسي، بيئي أو حتى اجتماعي. النظام العالمي ما بعد الكورونا لن يكون كما قبلها فهذه الجائحة سوف تعيد ترسيم الخارطة العالمية للاتحادات والدول وستمهد الطريق لنظام عالمي جديد غيرواضح الملامح بعد ولكن من دون شك سيتضمن في أجندته أولويات جديدة!

لطالما تغنت الدول العظمى بالحداثة والتطور التي يمتلكونها خاصة في مجال البحث العلمي وكانت هذه الملكة مصدر قوة هذه الأنظمة لدرجة انّ العلم توصل الى ما يشبه استنساخ إنسان بمواصفات ومقاييس محددة حسب الطلب. والمفارقة هنا أنه بخضم الأزمة التي نعيشها اليوم فان أكبرمراكز الأبحاث في العالم تعجز عن ايجاد وتركيب لقاح بوقت زمني قصير لمعالجة فيروس من سلالة الانفلونزا. اذا أردنا النظر الى الامور من زاوية شفافة وبريئة واستبعدنا نظرية المؤامرة الكونية المدبرة وأنّ فعلاً هذا الفيروس ليس مركب مخبرياً وأنه حصل وتفشى مثل أي فيروس يتناقل من شخص الى آخر، فهل من الجائز في ظل هذا التطور العلمي والتكنولوحي والحداثة التي وصلنا اليها وبعد مرور أربعة أشهرعلى ظهور أول حالة لهذا الفيروس أنّ هذه الدول المتقدمة والتي تعطي البحث العلمي أولوية في ميزانياتها عاجزة عن احتواء تفشيه من جهة ولم تتوصل الى إيجاد لقاح مضاد لعلاج هذا الفيروس من جهة أخرى؟ سؤال أعتقد سيظل من دون اجابة لفترة طويلة من الزمن حتى ينكشف المستور الآتي ما بعد الكورونا. فعلى الرغم من التطور والسرعة في تكنولوجيا الخدمات التى وصلنا اليها في عصرنا فهي عند حصول أكبرالكوارث لم تكن سوى دليل على مدى ضعف وهشاشة المنظومة العالمية وبالعلامة على ذلك أنه لمواجهة جائحة الكورونا لقد عدنا الى التدابير البدائية للوقاية التي اتبعها أجدادنا في القرون السابقة للاحتماء من أي وباء وهي العزل وبالتالي على مقولة  “يا شعوب الأرض اعزلوا أنفسكم خير وقاية”. ان كل هذا التطور العلمي الذي حسبنا اننا نعيشه اليوم ليس الا مجدٌ باطل أو أكذوبة استثمرت فيها الدول العظمى كنوع من البروبغندا للترويج لعظمتها ولكن في الواقع أنّ ما تنفقه هذه الأنظمة على أسلحة الموت والدمار الشامل هو أضعاف مضاعفة ما يتم إنفاقه على البحث العلمي. بكل بساطة البشر يتقنون صناعة فن الموت ولكن حياة البشر والمحافظة عليها لم تعد من الأولويات.
اليوم وأكثر من أيّ يوم أصبحنا بحاجة ماسة الى وضع نظام صحي عالمي يضع رفاه الانسان وصحته بالصدارة وعلى منظمة الصحة العالمية أن تضع قيد التحضير برنامج “صحة المواطن العالمي” على سلّم أولوياتها. العالم الذي نعيش فيه عبارة عن قرية صغيرة بكل ما تحمل الكلمة من معنى في ظل السهولة والسرعة في التنقل من بلد الى آخر، فالسفر لم يعد لمن يستطيع اليه سبيلًا إنما أصبح من أساسيات حياتنا كالاكل والشرب. ان ثبت أنه كان هنالك اخفاق فادح وكبير جدا في اداء منظمة الصحة العالمية لجهة وضع المعايير الواضحة لمعالجة هذه الجائحة أو لجهة تركها العديد من الدول غير مجهزة لمواجهة الوباء بسبب المهاترات السياسية والقرارات التي تفرضها الدول الأكثر تمويلا على عمل هذه المنظمة، وبالتالي اذا صدق كل ذلك مع ما يشاع مؤخرا أيضا أنّ المنظمة ساعدت الصين في إخفاء درجة تفشي المرض داخل حدودها فعلى المجتمع الدولي التحرك بهدف انهاء عملها كما حصل بعصبة الأمم المتحدة التي تم حلها بعدما أثبتت عجزها عن حل المشكلات الدولية وفرض هيبتها والعمل لتأسيس منظمة صحة عالمية تكون على مستوى عالي من الشفافية وتعمل بشكل دؤوب للمحافظة على صحة المواطن وحمايته من الأوبئة الداهمة. المنظمات العالمية وجدت لخدمة البشر وتسهيل عيشهم رفاههم وليس لان تكون أداة ربط نزاع بيد مموليها.

شاهد أيضاً

الجيش: تمارين تدريبية وتفجير ذخائر

صدر عن قيادة الجيش – مديرية التوجيه البيان الآتي: ستقوم وحدة من الجيش بتاريخ 19/5/2020 …